ابن ميثم البحراني
280
شرح نهج البلاغة
وعليه اتّفاق جمهور المتكلَّمين والحكماء : أمّا المتكلَّمون فظاهر ، وأمّا المحقّقون من الحكماء فملخّص كلامهم إجمالا في كيفيّة علمه تعالى أنّه يعلم ذاته بذاته ويتّحد هناك المدرك والمدرك والإدراك ولا يتعدّد إلَّا بحسب الاعتبارات العقليّة الَّتي تحدثها العقول البشريّة . وأمّا معلولاته القريبة منه فيكون بأعيان ذواتها ويتّحد هناك المدرك والإدراك ولا يتعدّدان إلَّا باعتبار عقليّ ويغايرهما المدرك ، وأمّا معلولاته البعيدة كالماديّات والمعدومات الَّتي من شأنها إمكان أن توجد في وقت أو يتعلَّق بموجود فيكون بارتسام صورها المعقولة من المعلولات القريبة الَّتي هي المدركات لها أوّلا وبالذات وكذلك إلى أن ينتهى إلى إدراك المحسوسات بارتسامها في آلات مدركاتها . قالوا : وذلك لأنّ الموجود في الحاضر حاضر والمدرك للحاضر مدرك لما يحضر معه فإذن لا يعزب عن علمه مثقال ذرّة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر لكون ذوات معلولاته القريبة مرتسمة بجميع الصور وهى الَّتي يعبّر عنها تارة بالكتاب المبين وتارة باللوح المحفوظ وتسمّى عندهم عقولا فعّالة . الرابع : كونه تعالى غالبا لكلّ شيء . الخامس : كونه قويّا على كلّ شيء ، وهما إشارتان إلى وصف قدرته تعالى بالتمام على كلّ مقدور فإنّ القوّة عليها والغلبة لها من تمام القدرة ويفهم من الغالب زيادة على القوىّ ويعود إلى معنى القاهر . وقد سبق بيانه ، وأمّا بيان صدق هاتين لقضيّتين فببيان أنّه تعالى مبدء كلّ موجود وأنّ كلّ ممكن مفتقر في سلسلة الحاجة إليه ، وقد فرغ من ذلك في الكتب الكلاميّة . الفصل الثاني قوله : فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُ مِنْكُمْ فِي أَيَّامِ مَهَلِهِ قَبْلَ إِرْهَاقِ أَجَلِهِ - وفِي فَرَاغِهِ قَبْلَ أَوَانِ شُغُلِهِ - وفِي مُتَنَفَّسِهِ قَبْلَ أَنْ يُؤْخَذَ بِكَظَمِهِ - ولْيُمَهِّدْ لِنَفْسِهِ وقَدَمِهِ ولْيَتَزَوَّدْ مِنْ دَارِ ظَعْنِهِ لِدَارِ إِقَامَتِهِ - فَاللَّهَ اللَّهَ أَيُّهَا النَّاسُ فِيمَا اسْتَحْفَظَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ -